أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

449

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أقوى من إعطاء معنى فذ . ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك ، ولا تقتحمهم عيناك متجاوزين إلى غيرهم ؟ ونحوه : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ « 1 » ، أي : ولا تضموها إليها آكلين لها » . وردّه الشيخ « 2 » بأن مذهب البصريين : أن التضمين لا ينقاس ، وإنما يصار إليه عند الضرورة ، فإذا أمكن الخروج عنه ، فلا يصار إليه ، وقرأ الحسن : « ولا تعد عينيك » من أعدى رباعيا ، وقرأ هو وعيسى والأعمش : « ولا تعدّ » بالتشديد من عدّى يعدّي مضعفا ، عدّاه في الأول بالهمزة ، وفي الثاني بالتثقيل كقول النابغة : 3174 - فعدّ عمّا ترى إذ لا ارتجاع له * وأنم القتود على عيرانة أجد « 3 » كذا قال الزمخشري ، وأبو الفضل . وردّ عليهما الشيخ « 4 » : بأنه لو كان تعديه في هاتين القراءتين بالهمزة ، أو بالتضعيف لتعدى لاثنين ، لأنه قبل ذلك متعد لواحد بنفسه » . وقد أقر الزمخشري بذلك ، حيث قال : « يقال : عدّاه إذا جاوزه ، وإنما عدّي ب « عن » لتضمنه معنى : علا ، ونبا » . فحينئذ يكون « أفعل ، وفعّل » مما وافقا المجرد وهو اعتراض حسن . قوله : « تُرِيدُ » جملة حالية ، ويجوز أن يكون فاعل « تُرِيدُ » المخاطب ، أي : تريد أنت ، ويجوز أن يكون ضمير العينين ، وإنما وحّد ، لأنهما متلازمان يجوز أن يخبر عنهما خبر الواحد ، ومنه قول امرئ القيس : 3175 - لمن زحلوقة زلّ * بها العينان تنهل « 5 » وقول آخر : 3176 - وكان في العينين حبّ قرنفل * أو سنبلا كحلت به فانهلّت « 6 » وفيه غير ذلك . ونسبة الإرادة إلى العينين مجاز . وقال الزمخشري : الجملة في موضع الحال . قال الشيخ « 7 » : وصاحب الحال أن قدر عيناك ، فكأن يكون التركيب تريدان . « قلت : غفل عن القاعدة ، التي ذكرتها من أن الشيئين المتلازمين يجوز أن يخبر عنهما إخبار الواحد . ثم قال « 8 » : « وإن قدّر الكاف فمجيء الحال من المجرور بالإضافة مثل هذا فيه الإشكال ، لاختلاف العامل في الحال وذي الحال ، وقد أجاز ذلك بعضهم إذا كان المضاف جزءا أو كالجزء ، وحسن ذلك أن المقصود نهيه هو - عليه السّلام - ، وإنما جيء بقوله : « عَيْناكَ » ، والمقصود هو ، لأنهما بهما يكون المراعاة للشخص والملفت له . قلت : وقد ظهر لي وجه حسن لم أر غيري ذكره ، هو : أن يكون « تَعْدُ » مسندا لضمير المخاطب - صلّى اللّه عليه وسلّم - و « عَيْناكَ » بدل من الضمير بدل بعض من كل ، و « تُرِيدُ » على وجهيها من كونها حالا من « عَيْناكَ » ، أو من الضمير في « تَعْدُ » ، إلّا إن جعلها حالا من الضمير في « لا تَعْدُ » ضعفا ، من حيث إنّ مراعاة المبدل منه ، بعد ذكر البدل قليل جدا ، تقول : الجارية حسنها فاتن ، ولا يجوز : فاتنة ، كقوله :

--> ( 1 ) سورة النساء آية ، ( 2 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 119 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ، البحر المحيط ( 6 / 119 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 119 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 119 ) . ( 8 ) انظر المصدر السابق .